أحمد مصطفى المراغي
51
تفسير المراغي
الذين تركوا أحكام دينهم وحرّفوا كتابهم واشتروا الضلالة بالهدى ، لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن اللّه مهيمن عليهم كما هيمن على من قبلهم ، فإذا هم قصّروا أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة ، والمؤمنون باللّه حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصّل إلى إصلاح الأنفس ، وذلك هو الأثر المطلوب منها ، ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها ، لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب . وقد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومه الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين كانوا يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة ، وهذا لا يكفى في اتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراده اللّه . فأرشدنا سبحانه إلى أن عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغنى عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته ، ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم . الإيضاح ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ) أي ألم تنظر إلى هؤلاء الذين أعطوا طائفة من الكتاب الإلهى ، كيف حرموا هدايته واستبدلوا بها ضدها ، فهم يختارون الضلالة لأنفسهم ويريدون أن تضلوا أيها المؤمنون طريق الحق القويم كما ضلوا هم ، فهم دائبون على الكيد لكم ، ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا . والتعبير بالشراء دون الاختيار للإيماء إلى أنهم كانوا فرحين بما عملوا ، ظانين أن الخير كل الخير فيما صنعوا ، والتعبير بالنصيب يدل على أنهم لم يحفظوا كتابهم كله ، إذ هم لم يستظهروه زمن التنزيل كما حفظ القرآن ولم يكتبوا منه نسخا متعددة في العصر الأول كما فعلنا حتى إذا ما فقد بعضها قام مقامه بعض آخر ، بل كان عند اليهود نسخة